روضة الجنة

منتديات روضة الجنة السلفية
 
الرئيسيةبحـثالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 بلوغ القمم من كلام العلامة ابن القيم 1

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ابوعبدالرحمن السلفي
مشرف
مشرف


ذكر عدد الرسائل : 95
تاريخ التسجيل : 26/09/2008

مُساهمةموضوع: بلوغ القمم من كلام العلامة ابن القيم 1   الأربعاء 29 أكتوبر - 15:23

[قال رحمة الله
b]لما فصلت عير السير ، واستوطن المسافر دار الغربة ، وحيل بينه وبين مألوفة وعوائده والمتعلقة بالوطن ولوازمه ، أحدث له ذلك نظرا آخر ؛ فأجال فكره في أهم ما يقطع به منازل سفره إلي الله ، وينفق فيه بقية عمره ، فأرشده من بيده الرشد إلى أن أهم شيء يقصده إنما هو :
الهجرة إلى الله ورسوله ، فإنما فرض عين على كل أحد في كل وقت ، وأنه لا انفكاك لأحد من وجوبها ، وهي مطلوب الله ومراده من العباد ، إذ الهجرة هجرتان :
هجرة بالجسم من بلد إلى بلد : وهذه أحكامها معلومة ، وليس المراد الكلام فيها.
والهجرة الثانية هجرة بالقلب إلى الله ورسوله : وهذه هي المقصودة هنا. وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقة ، وهي الأصل ، هجرة الجسد تابعة لها ، وهي هجرة تتضمن (من)، و(إلى):
فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته.
ومن عبودية غيره إلى عبوديته.
ومن خوف غيره ورجائه والتوكل عليه إلى خوف الله ورجائه والتوكل عليه.
ومن دعاء غيره وسؤاله والخضوع له والذل له والاستكانة له إلى دعاء ربه وسؤاله والخضوع له والذل والاستكانة له .
وهذا هو بعينه معنى الفرار إليه ،
قال تعالى : فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ (الذاريات:50)
فالتوحيد المطلوب من العبد هو الفرار من الله إليه).
الرسالة التبوكية
( 1/28)[/b]
ثم ذكر تمام الهجرة الثانية في قوله - نور الله ضريحه - :
( ولله على كل قلب هجرتان ، وهما فرض لازم له على الأنفاس :
هجرة إلى الله - سبحانه - بالتوحيد ، والإخلاص ، والإنابة ، والحب ، والخوف ، والرجاء ، والعبودية.
وهجرة إلى رسوله : بالتحكيم له ، والتسليم والتفويض والانقياد لحكمه ، وتلقي أحكام الظاهر والباطن من مشكاته ؛ فيكون تعبده به أعظم من تعبد الركب بالدليل الماهر في ظلم الليل ، ومتاهات الطريق .
فما لم يكن لقلبه هاتان الهجرتان ؛ فليحث على رأسه الرماد ، وليراجع الإيمان من أصله ؛ فيرجع وراءه ليقتبس نورا قبل أن يحال بينه وبينه ، ويقال له ذلك على الصراط من وراء السور ،
والله المستعان )
مدارج السالكين (2/ 463).

( فصل )
من أعجب الأشياء :
أن تعرفه ثم لا تحبه ،
وأن تسمع داعيه ثم تتأخر عن الاجابة ،
وأن تعرف قدر الربح في معاملته ثم تعمل غيره ،
وأن تعرف قدر غضبه ثم تتعرض له ،
وأن تذوق ألم الوحشة في معصيته ثم لا تطلب الأنس بطاعته ،
وأن تذوق عصرة القلب عند الخوض في غير حديثه والحديث عنه ثم لا تشتاق إلى انشراح الصدر بذكره ومناجاته ،
وأن تذوق العذاب عند تعلق القلب بغيره ولا تهرب منه إلى نعيم الإقبال عليه والإنابه إليه ،
وأعجب من هذا علمك أنك لابد لك منه ، وأنك أحوج شيء إليه وأنت عنه معرض وفيما يبعدك عنه راغب .
الفوائد ( 1/47)

قال الإمام القيم ابن القيم - نور الله ضريحه -:
( من الناس من يعرف الله بالجود والإفضال والإحسان،
ومنهم من يعرفه بالعفو والحلم والتجاوز،
ومنهم من يعرفه بالبطش والانتقام،
ومنهم من يعرفه بالعلم والحكمة،
ومنه من يعرفه بالعزة والكبرياء،
ومنهم من يعرفه بالرحمة والبر واللطف،
ومنهم من يعرفه بالقهر والملك،
ومنهم من يعرفه بإجابة دعوته وإغاثة لهفته وقضاء حاجته،
وأعم هؤلاء معرفة من عرفه من كلامه ؛ فإنه يعرف ربًا قد اجتمعت له صفات الكمال ونعوت الجلال، منزه عن المثال، برئ من النقائص والعيوب، له كل اسم حسن، وكل وصف كمال، فعال لما يريد، فوق كل شيء، ومع كل شيء، وقادر على كل شيء، ومقيم لكل شيء ، آمر ناه، متكلم بكلماته الدينية والكونية، أكبر من كل شيء، وأجمل من كل شيء،
أرحم الراحمين، وأقدر القادرين، وأحكم الحاكمين،
فالقرآن أنزل لتعريف عباده به، وبصراطه الموصل إليه، وبحال السالكين بعد الوصول إليه) ا.هـ
" الفوائد" (صـ:180).

قال ابن القيم - رحمه الله - :
فإن تزكية النفوس مسلم إلى الرسل ، وإنما بعثهم الله لهذه التزكية ، وولاهم إياها ، وجعلها على أيديهم دعوة وتعليما وبيانا وإرشادا ، لا خلقا ولا إلهاما ، فهم المبعوثون لعلاج نفوس الأمم .
قال الله - تعالى - : هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِين ( الجمعة : 2 ).
وقال - تعالى - : كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُون * فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُون (البقرة : 151 ، 152)
وتزكية النفوس أصعب من علاج الأبدان وأشد ، فمن زكى نفسه بالرياضة والمجاهدة والخلوة التي لم يجىء بها الرسل = فهو كالمريض الذي يعالج نفسه برأيه ، وأين يقع رأيه من معرفة الطبيب ؟!
فالرسل أطباء القلوب ؛ فلا سبيل إلى تزكيتها وصلاحها إلا من طريقهم ، وعلى أيديهم ، وبمحض الانقياد ، والتسليم لهم ، والله المستعان )
ا.هـ مدارج السالكين


وقال – رحمه الله وطيب ثراه – في معرض الكلام عن العلم بالله - جل وعلا - :
( وإياك أن تظن أن بمجرد علم هذا الشأن قد صرت من أهله ، هيهات ما أظهر الفرق بين العلم بوجوه الغنى وهو فقير ، وبين الغني بالفعل ، وبين العالم بأسباب الصحة وحدودها وهو سقيم ، وبين الصحيح بالفعل ، فاسمع الآن وصف القوم ، وأحضر ذهنك لشأنهم العجيب ، وخرهم الجليل ، فإن وجدت من نفسك حركة وهمة إلى التشبه بهم ، فاحمد الله ، وادخل فالطريق واضح والباب مفتوح ،
إذا أعجبتك خصال امرىء * فكنه تكن مثل ما يعجبـك
فليس على الجود والمكرما * ت إذا جئتها حاجب يحجبك
فنبأ القوم عجيب ، وأمرهم خفي إلا على من له مشاركة مع القوم ، فإنه يطلع من حالهم على ما يريه إياه القدر المشترك ، وجملة أمرهم أنهم قوم قد امتلأت قلوبهم من معرفة الله ، وغمرت بمحبته ، وخشيته ، وإجلاله ، ومراقبته ؛ فسرت المحبة في أجزائهم ؛ فلم يبق فليها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحب ، قد أنساهم حبه ذكر غيره ، وأوحشهم أنسهم به ممن سواه ، قد فنا بحبه عن حب من سواه ، وبذكره عن ذكر من سواه ، وبخوفه ، ورجائه ، والرغبة إليه ، والرهبة منه ، والتوكل عليه ، والإنابة إليه ، والسكون إليه ، والتذلل ، والانكسار بين يديه عن تعلق ذلك منهم بغيره .
فإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعه ؛ صعدت أنفاسه إلى إلهه ومولاه ، واجتمع همه عليه متذكرًا صفاته العلى وأسماءه الحسنى ،
ومشاهدًا له في اسمائه وصفاته قد تجلت على قلبه أنوارها ؛ فانصبغ قلبه بمعرفته ومحبته ، فبات جسمه في فراشه يتجافى عن مضجعه ، وقلبه قد أوى إلى مولاه وحبيبه ؛ فآواه إليه وأسجده بين يديه خاضعًا خاشعًا ذليلاً منكسرًا من كل جهة من جهاته ، فيا لها سجدة ما أشرفها من سجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم اللقاء .
وقيل لبعض العارفين : أيسجد القلب بين يدي ربه ؟!
قال : أي والله بسجدة لا يرفع رأسه منها إلى يوم القيامة .
فشتان بين قلب يبيت عند ربه قد قطع في سفره إليه بيداء الأكوان ، وخرق حجب الطبيعة ، ولم يقف عند رسم ولا سكن إلى علم حتى دخل على ربه في داره ؛ فشاهد عز سلطانه ، وعظمة جلاله ، وعلو شأنه ، وبهاء كماله ، وهو مستو على عرشه ، يدبر أمر عباده ، وتصعد إليه شؤون العباد ، وتعرض عليه حوائجهم وأعمالهم ؛ فيأمر فيها بما يشاء ؛ فينزل الأمر من عنده نافذًا ،
فيشاهد الملك الحق قيومًا بنفسه ، مقيما لكل ما سواه ، غنيا عن كل من سواه ، وكل من سواه فقير إليه ، يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن ، يغفر ذنبًا ، ويفرج كربًا ، ويفك عانيًا ، وينصر ضعيفًا ، ويجبر كسيرًا ، ويغني فقيرًا ، ويميت ويحيي ، ويسعد ويشقي ، ويضل ويهدي ، وينعم على قوم ، ويسلب نعمته عن آخرين ، ويعز أقواما ، ويذل آخرين ، ويرفع أقواما ، ويضع آخرين ،
ويشهده كما أخبر عنه أعلم الخلق به وأصدقهم في خبره حيث يقول في الحديث الصحيح : يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار ، أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق ، فإنه لم يغض ما في يمينه ، وبيده الأخرى الميزان : يخفض ويرفع .
فيشاهده كذلك يقسم الأرزاق ، ويجزل العطايا ، ويمن بفضله على من يشاء من عباده بيمينه ، وباليد الأخرى الميزان يخفض به من يشاء ، ويرفع به من يشاء عدلاً منه وحكمة ، لا إله إلا هو العزيز الحكيم ،
فيشهده وحده القيوم بأمر السموات والأرض ومن فيهن ، ليس له بواب فيستأذن ، ولا حاجب فيدخل عليه ، ولا وزير فيؤتى ، ولا ظهير فيستعان به ، ولا ولي من دونه فيشفع به إليه ، ولا نائب عنه فيعرفه حوائج عباده ، ولا معين له فيعاونه على قضائها ، أحاط - سبحانه - بها علمًا ، ووسعها قدرة ورحمة ، فلا تزيده كثرة الحاجات إلا جودًا وكرمًا ، ولا يشغله منها شأن عن شأن ، ولا تغلطه كثرة المسائل ، ولا يتبرم بإلحاح الملحين ، لو اجتمع أول خلقه وآخرهم ، وإنسهم وجنهم ، وقاموا في صعيد واحد ، ثم سألوه فأعطى كلا منهم مسألته ما نقص ذلك مما عنده ذرة واحدة ، إلا كما ينقص المخيط البحر إذا غمس فيه ، ولو أن أولهم وآخرهم ، وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئا ، ذلك بأنه الغني الجواد الماجد ، فعطاؤه كلام ، وعذابه من كلام ، إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون .
ويشهده كما أخبر عنه أيضا الصادق المصدوق حيث يقول : إن الله لا ينام ، ولا ينبغي له أن ينام ، يخفض القسط ويرفعه ، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار ، وعمل النهار قبل عمل الليل ، حجابه النور ، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه .
وبالجملة فيشهده في كلامه فقد تجلى - سبحانه وتعالى - لعباده في كلامه ، وتراءى لهم فيه ، وتعرف إليهم فيه ، فبعدًا وتبًا للجاحدين والظالمين أفي الله شك فاطر السموات والأرض لا إله إلا هو الرحمن الرحيم ) .
ا. هـ (طريق الهجرتين

(
وأقرب باب دخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس ، فلا يرى لنفسه حالا ، ولا مقاما ، ولا سببا يتعلق به ، ولا وسيلة منه يمن بها ، بل
يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف ، والافلاس المحض ، دخول من كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع ، وشملته الكسرة من كل جهاته ، وشهد ضرورته إلى ربه عز و جل وكمال فاقته وفقره إليه ، وأن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة ، وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى ، وأنه إن تخلى عنه طرفة عين هلك ، وخسر خسارة لا تجبر ، إلا أن يعود الله تعالى عليه ويتداركه برحمته .
ولا طريق إلى الله أقرب من العبودية ، ولا حجاب أغلظ من الدعوى !
والعبودية مدارها على قاعدتين هما أصلها : حب كامل ، وذل تام . ومنشأ هذين الأصلين عن ذينك الأصلين المتقدمين ، وهما : مشاهدة المنة التي تورث المحبة ، ومطالعة عيب النفس والعمل التي تورث الذل التام .
وإذا كان العبد قد بنى سلوكه إلى الله تعالى على هذين الأصلين لم يظفر عدوه به إلا على غره وغفلة ، وما أسرع ما ينعشه الله عز و جل ويجبره ويتداركه برحمته . )
الوابل الصيب (12، 13)

[color=blue][b]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
بلوغ القمم من كلام العلامة ابن القيم 1
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
روضة الجنة :: روضة العلم :: منتدى الروضه العام-
انتقل الى: